تبدأ رحلة شخصياتك هادئة على متنِ قارب استكشافي، اثنان منهما غواصان يكتشفان ما تبقى من طائرة غرقت بعد سقوطها خلال الحرب العالمية الثانية، قبل أنْ تنتقل للأحداث الرئيسية المتعلقة باسم اللعبة Man of Medan، بتعرض قراصنة للمركب وجرّ الجميع لباخرة تُدعى إس إس أورانج ميدان (وهذا سبب التسمية الفرعية)
🎮 هذا أول جزء (حلقة) في سلسلة The Dark Pictures Anthology، اللعبة مُترجمة للغة العربية، ولعبتها بنسخة الـPC بشكل فردي.
قصّة اللعب مبنية على قصة الباخرة الحقيقية والأسطورة المتعلقة بها، وبعد مدخل يُظهر الباخرة كما كانت في السابق تحمل الجنود والكارثة التي جعلتها عائمة مهجورة، تنتقل الشخصيات الرئيسية والقراصنة ويواجهون جميعًا أحداثًا غامضة لا يُمكن أن تفرق فيها بين الحقيقة والخيال، وتقدم اللعبة الأحداث في إطار غامض ومُرعب، جعلني مُهتمًا بشكلٍ لا بأس به بالأحداث خاصة ما بعد لقاء الشخصيات الرئيسية على متن قارب الغوص، رغم أنّك ستجد أنّها سريعًا تنتقل لما يُشبه لقطات رعبٍ مُشتتة جمعت لمحاولة صناعة قصة مرتبطة، خاصة أن قراراتك تُغير القصة، ما يجعلك تشعر أنّها حقًا مجموعة أحداث مركبة، واللعبة تنقلك باستمرار بين الشخصيات.
حتّى باهتمامي الطفيف بالقصة، لا يمكن أن أزيح شعوري بعد بلوغ النهاية بأنّها قصة مقصوصة، قد تنفع لحلقة واحدة من مسلسل طويل، خاصة أنّها تبدأ بالسفينة قبل الأحداث التي جعلت منها سفينة شبحية تطفو وسط اللامكان بطاقم ميت وأسباب موت غامضة، لرحلة شخصيات اللعب الاستكشافية وبعدها مُجددا للسفينة، ما يُؤخر انطلاق الأحداث المهمة، ليس كأنّ هناك في اللعبة أحداثًا مهمة في الأصل، فكل ما فيها مُجرد هلوسات للشخصيات ومواجهات بينهم وبين ما يُسيطر على السفينة من شر، أنت كلاعب كما الشخصيات، لا تُدرك إن كانت الهلوسات حقيقية أم لا، وهذا الجانب الذي تلعب عليه اللعبة، إنْ عجزت عن جعل ذلك مثيرًا للاهتمام، ستسقط في دائرة من الملل من أول ساعة لعب.
اللعبة شبيهة بأفلام الرعب المتوسطة الأمريكية، ولا بد أنّها تحاكيها، عندك طاقم الشخصيات الذي سيكون صعبًا للغاية أن تتعلق بأي واحدٍة منها، جميعها رئيسية لأنّك تأخذ دور كل واحدة حسب الأحداث، المقدمة تُعرفك عليهم وعلى العلاقة بينهم، وستجد أنّ الحوارات مُصممة فعلا كفيلم هوليودي بنصوص سخيفة وشخصيات أبطالٍ غير مميزة.
اللعب بسيط، تُحرك شخصيتك وتتفاعل حيثُ تتيح اللعبة ذلك، أو تختارُ الحوارات عندما تقدم لك اللعبة خيارات الرد، وأحيانًا قد تختارُ ما ستقوم به شخصيتك، بمعنى أنّك تعطى التحكم بشخصيتك وتتحرك في بيئة اللعب، تحريك الشخصية ممتع رغم أنّها بطيئة للغاية، كل ما ستقوم به هو التمشي حتّى وإن ضغطت على سر الإسراع، بيئات اللعب ليست واسعة، يمكن أن تكون غرفة أو بحجم غرفة، وعددُ الأشياء التي تتفاعل معها محدود كذلك، لذا سرعة الشخصية مُبررة، خاصة في الأروقة والمساحات الضيقة التي لن تقدر فيها شخصيتك على الركض على أي حال.
من البداية، ستجد أنّ اللعبة تعتمد كثيرًا على الحوارات، هناك غالبًا أكثر من شخصية واحدة في نفس المشهد، عندما تخاطب شخصية أخرى عندك ما يُشبه البوصلة، تدفع بعقربها ناحية الإجابة التي تُريد أن ترد بها شخصيتك، أو تبقيها في الوسط لتمتنع عن الرد، وطبعًا ذلك يفتح سلسلة مختلفة من الردود من الشخصيات الأخرى ويؤثر على علاقتك معها، اللعبة تمتلك شاشة خاصة تعرض لك حالة شخصيتك وطباعها بناء على ردودك وتصرفاتك، وطبيعة وقوة علاقتك مع الشخصيات الأخرى، وقد تدفع شخصية للقيام بأمر مُعين حسب أجوبتك أو تجعلها تمتنع عن ذلك، ما يؤثر على مسار القصة والنهاية.

يبقى لك الأحداث الأخرى التي لا تتحكم فيها بشخصية اللعب إطلاقًا، لا تسير بها حيث تُريد أن تتفاعل، بل تتفرج عليها فقط وتتفاعل كفيلم تفاعلي، كمشاهد الهرب والقتال، وهنا ستكتفي إمّا باختيار ما ستقوم به شخصيتك، كاختيار الباب الأقرب لها أو الركض عبر الرواق، أو تضغط أزرارًا عندما تظهر على الشاشة (QTE) لصدّ ضربة أو دفع عدو وهكذا، وطبعًا هذا مع الحوارات يؤثر على القصة كذلك والأحداث، تأثيرك على اللعب قد يصل لحد تخليك عن شخصية أو موتها، ما يجعلها قابلة للعب.
جمّع الآن كل هذا وستحصل على ما يُشكل أسلوب لعب Man of Medan، وكل ما تختار أو تُقرر وسط اللعب يُؤثر على الأحداث ويبنيها، بل حتّى أثناء المشاهد الهادئة التي تستكشف فيها البيئة وتتفاعل فيها مع الأشياء، قد تُغير الأحداث لاحقا، لذا لا تحتاج التفاعل مع كل شيء ويمكن أن تكتفي بإيجاد الباب أو الحل الرئيسي للتقدم، أحيانا ستكتفي بالمرور عبر مكانٍ دُون أن تتفاعل مع شيء فيه لتكتشف أنّك فتحت مسارًا مُعينا بعدم امتلاكك لأداة ما، شيء يجعل قراراتك حتّى تلك التي لم تعلم في الأصل بتواجدها، مؤثرة بشكلٍ كبير على اللعب، فكرة جيدة، تجعل لقراراتك تأثيرًا كبيرا، فحتّى اللاعب الذي لا يهتم بالاستكشاف، سيعيش تجربة مختلفة عن الذي يفعل.
الاستكشاف يبني لك العالم أيضًا، كل شيء غريب، لذا إيجاد رسائل ووثائق قد يُساعدك على فهم العالم بشكلٍ أكبر، ستجد بعض الكنوز والأشياء القابلة للتجميع، بالتفاعل معها سترى مشهدًا من المستقبل قد يساعدك على اتخاذ القرارات الصحيحة، وطبعا أدواتٍ لازمة للتأثير في بعض الأحداث التي يظل بعضها اختياريًا.
تصميم الأجواء في اللعبة جميل، رُبما من أكثر محاسنها، اللعبة من منظور الشخص الثالث طبعا بزوايا كاميرا ثابتة، ليس ذلك فقط، بل اللعبة تستغل الكاميرا بشكل سينمائي إبداعي، قد تمر عبر رواق لتجد أنّها تلتقط شخصيتك من خلف الباب أو من أسفل الدرج أو نهاية الرواق، هذا يُعطي اللعب بعدًا سينمائيا لا يخرجك إطلاقًا من الأجواء التفاعلية والسينمائية أثناء المشاهد.
السفينة مهجورة، استغلال الإضاءة فيها رائع، وحتّى إن لم أكن معجبًا بالشخصيات، فأداؤها مقبول، اللعبة مترجمة للعربية وجودتها جيدة، غير أنّ الخط صغير بعض الشيء، رُبما ذلك راجع لنوعه، لكن من يلعبها بالعربية سيستمتع بالترجمة بلا شك إنْ لم يكن حجم الخط مشكلة.
اللعبة تعتمد بشكلٍ كبير على الصدمات لتخويفك، إخراج المشاهد ليس سيئًا إطلاقًا والصوتيات جيدة، يبقى فقط مدى قبولك لمسألة توظيف المشاهد المباغتة والأصوات العالية لإخافتك، شخصيًا كتجربة سينمائية، وجدت تحريك الشخصيات في البيئات وطريقة استخدامها للكشاف وإدارة رأسها تفصيلًا جميلًا يزيد الانغماس، سيء فقط أنني لم أجد سببًا للتعلق بالشخصيات وذلك يجعل التركيز على الاختيارات لإنقاذ الجميع.
سبق أن قُلت ذلك، كنت مهتما للغاية وأنا ألعب بقصة السفينة وما يجري وسطها، والأحداث التي سبقت كل شيء وسبب موت طاقهما، لم تشرح اللعبة كل شيء، وبما أنّها قصيرة (4 ساعات أو أقل إن لعبتها مرة واحدة) ستُبقي عندك شعور أنّك لعبت حلقة واحدة من مسلسل طويل، مازلت قادرا على الاستمتاع بها وبأحداثها الفردية التي تصنعها المشاهد كحلقة من مسلسل، لكن المسألة في أنّها تحديدا تُشعرك أنك تُشاهد: حلقة من مسلسل.









